4 أبريل، 2025
#فنجان قهوة #مقالات

أزمة الهوية أو اضطراب مابعد السوشيل ميديا! من أنت؟

تُعد الذات الإنسانية من أهم المفاهيم الفلسفية التي اهتم بها الفلاسفة والعلماء على مر العصور. فقد تناولوها من مختلف جوانبها، محاولين فهم ماهيتها ومكوناتها ووظائفها. وقد أجمع الفلاسفة على أن الذات الإنسانية هي المحور الذي تدور حوله حياة الإنسان، فهي التي تحدد أفكاره ومشاعره وسلوكه.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا. ما أدى إلى ظهور أزمة جديدة في ذاتنا الإنسانية، تتمثل في صعوبة تحديد ماهيتها وتكوينها في ظل التفاعل اليومي مع هذه الوسائل في مجتمع متغير بسرعة.

والسؤال الكبير اليوم من نحن ؟ من أنت ومن أنا ومن هم ؟

 تأثير السوشيل ميديا على فهمنا للذات:

1- ضغوط الهوية:

تتعرض الفردية لضغوط هائلة لتحديد هويتها في ظل العرض المستمر لحياة الآخرين على وسائل التواصل. يعيش الأفراد اليوم في بيئة يتم فيها قياس الذات بشكل مستمر بناءً على عدد المتابعين أو عدد الإعجابات، مما يؤدي إلى تشويه تصورهم الذاتي.

فعندما يقارن الفرد نفسه بالآخرين، قد يشعر بأنه أقل نجاحًا أو جاذبية. وقد يشعر أيضًا بأنه مضطر إلى عرض صورة مثالية عن نفسه على وسائل التواصل، مما قد يؤدي إلى التوتر والقلق. وبحسب دراسة أجراها مركز “بيو” للأبحاث عام 2018، فإن 72% من الأمريكيين يعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الناس يشعرون بمزيد من عدم الرضا عن حياتهم.

دراسة أخرى أجرتها جامعة كاليفورنيا، وجد الباحثون فيها أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر نشاطًا يكونون أكثر عرضة لانخفاض تقدير الذات، وزيادة القلق والاكتئاب.

يمكن إرجاع أسباب ضغوط الهوية الذاتية في وسائل التواصل الاجتماعي إلى عدة أسباب، منها:

  • العرض المستمر لصور الآخرين المثالية: تُظهر وسائل التواصل الاجتماعي صورًا مثالية للآخرين، مما يخلق شعورًا لدى المستخدمين بأنهم غير مثاليين. ففي دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر نشاطًا يكونون أكثر عرضة لمقارنة أنفسهم بالآخرين، مما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات.
  • الثقافة السائدة في وسائل التواصل الاجتماعي: تُعزز الثقافة السائدة في وسائل التواصل الاجتماعي الكمال والنجاح. ففي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر نشاطًا يكونون أكثر عرضة للشعور بأنهم بحاجة إلى أن يكونوا مثاليين.
  • تصميم وسائل التواصل الاجتماعي: تُصمم وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تجعل المستخدمين يقضون المزيد من الوقت عليها. ففي دراسة أجرتها جامعة هارفارد، وجد الباحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي تعتمد على آليات الإدمان، مثل تلقي الإشعارات والتفاعلات المستمرة، مما يجعل المستخدمين يقضون المزيد من الوقت عليها.

الآثار السلبية لضغوط الهوية الذاتية

يمكن أن تؤدي ضغوط الهوية الذاتية في وسائل التواصل الاجتماعي إلى عدد من الآثار السلبية، منها:

  • انخفاض تقدير الذات: تؤدي مقارنة المستخدمين لأنفسهم بالآخرين إلى انخفاض تقدير الذات.
  • زيادة القلق والاكتئاب: تؤدي مقارنة المستخدمين لأنفسهم بالآخرين إلى زيادة القلق والاكتئاب.
  • اضطرابات الأكل: تؤدي مقارنة المستخدمين لأنفسهم بالآخرين إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات الأكل، مثل فقدان الشهية العصبي والشره المرضي.
  • الانتحار: تؤدي مقارنة المستخدمين لأنفسهم بالآخرين إلى زيادة خطر الانتحار.
كيف تؤثر السوشيال ميديا على حياتنا؟

2. تأثير العرض الاجتماعي:

يُعرف العرض الاجتماعي بأنه عملية تقديم الذات للآخرين من خلال السلوكيات، والكلمات، والصور. ويُعد العرض الاجتماعي جزءًا أساسيًا من التواصل البشري على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يساعدنا على التعريف بأنفسنا للآخرين، وبناء العلاقات، والتأثير على الآخرين.

وهذا العرض الدائم يؤثر في تصور الذات والمفاهيم الخاصة بالنجاح والجاذبية. يتسائل الفرد باستمرار عن قيمته وجاذبيته في مقارنة مستمرة مع الآخرين.فعندما يرى الفرد صورًا للآخرين وهم يستمتعون بتجارب رائعة أو يحصلون على أشياء مرغوبة، قد يشعر بأنه يفتقر إلى هذه الأشياء. وقد يؤدي ذلك إلى الشعور بالغيرة أو الإحباط.

. فالجميع أصبح لديه القدرة على عرض حياته للآخرين، من خلال نشر الصور، ومقاطع الفيديو، والتعليقات. ويؤدي هذا إلى ظهور ما يسمى بـ “ثقافة الظهور”، وهي الثقافة التي تركز على الظهور بمظهر مثالي أمام الآخرين.

وبحسب دراسة أجراها معهد “كابيتان” للأبحاث عام 2019، فإن 70% من الشباب يعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الناس يشعرون بمزيد من الضغط ليكونوا مثاليين.

تأثير العرض الاجتماعي على تصور الذات

يمكن أن يكون للعرض الاجتماعي تأثير إيجابي على تصور الذات، حيث يمكن أن يساعدنا على:

  • الشعور بالانتماء: يمكن أن يساعدنا عرض حياتنا على الآخرين على الشعور بالانتماء إلى مجموعة معينة، أو إلى المجتمع ككل.
  • بناء الثقة بالنفس: يمكن أن يساعدنا عرض إنجازاتنا على الآخرين على بناء الثقة بالنفس، وتعزيز تقدير الذات.
  • الحصول على الدعم الاجتماعي: يمكن أن يساعدنا عرض مشاعرنا وأفكارنا على الآخرين على الحصول على الدعم الاجتماعي، ومواجهة المشكلات بنجاح.

ومع ذلك، يمكن أن يكون للعرض الاجتماعي أيضًا تأثير سلبي على تصور الذات، حيث يمكن أن يؤدي إلى:

  • انخفاض تقدير الذات: يمكن أن يؤدي مقارنة أنفسنا بالآخرين الذين يظهرون حياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي إلى انخفاض تقدير الذات، خاصةً إذا كنا نعتقد أنهم أكثر نجاحًا أو جاذبية منا.
  • الشعور بالوحدة: يمكن أن يؤدي التركيز على عرض الحياة المثالية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى الشعور بالوحدة، حيث قد نشعر أن حياتنا أقل مثالية من حياة الآخرين.
  • الإصابة باضطرابات الأكل: يمكن أن يؤدي مقارنة أنفسنا بالآخرين الذين يظهرون أجسامهم المثالية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإصابة باضطرابات الأكل، مثل فقدان الشهية العصبي والشره المرضي.

3. فقدان الخصوصية:

   مع الاندماج الكبير في وسائل التواصل، يتساءل الفرد عن مدى تأثير هذا الاندماج على حقه في الخصوصية. يصبح كل شيء عرضة للعيان، مما يشكل تحديات جديدة للفهم التقليدي لمفهوم الذات والخصوصية.

فعندما يشارك الفرد تفاصيل حياته الشخصية على وسائل التواصل، فإنه يعرض نفسه للحكم من الآخرين. وقد يؤدي ذلك إلى الشعور بالضغط أو الإحراج.

تحديات الوعي الإنساني في عالم السوشيل ميديا:

ما هي مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي على الفرد والمجتمع؟

ضياع الفكر الذاتي

يمكن أن يؤدي التفاعل المستمر مع منصات التواصل الاجتماعي إلى فقدان القدرة على التفكير الذاتي العميق، حيث يتحول الاهتمام إلى ردود الأفعال الفورية والتأثير السريع.

فوسائل التواصل الاجتماعي تُغرق المستخدمين بكميات هائلة من المعلومات والأخبار والمعتقدات، مما يجعل من الصعب عليهم تكوين آرائهم الخاصة. كما أن هذه الوسائل تُشجّع على التفاعل الفوري والرد السريع على المحتوى المنشور، مما يحد من التفكير العميق والتحليلي.

وقد أظهرت العديد من الدراسات أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بانخفاض القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرارات المستنيرة. كما أنه يرتبط بزيادة الميل إلى الاندفاع والتصرف بدون تفكير.

التحدي الأخلاقي

يثير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قضايا أخلاقية حول استغلال البيانات الشخصية والتأثير على السلوكيات الإنسانية. هذا يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود الخصوصية والأخلاق في العالم الرقمي.

فوسائل التواصل الاجتماعي تعتمد على جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية عن المستخدمين، والتي يمكن استخدامها لأغراض تجارية أو سياسية. كما أنها يمكن أن تُستخدم لتوجيه السلوكيات الإنسانية وتشكيل الآراء والاتجاهات.

وقد أظهرت العديد من الدراسات أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة الميل إلى الانخراط في سلوكيات خاطئة، مثل السرقة والعدوان والكراهية. كما أنه يرتبط بزيادة الميل إلى التعرض للأخبار الكاذبة والأفكار المتطرفة.

التعمق في تأثير التحولات التكنولوجية المستقبلية

مع التطور المستمر للتقنيات، من المتوقع أن تستمر وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الوعي الإنساني. ومن المحتمل أن تؤدي التقنيات المستقبلية، مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، إلى تغيير طريقة تفاعلنا مع وسائل التواصل الاجتماعي.

على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الواقع الافتراضي إلى خلق عوالم رقمية جديدة يمكن للناس التفاعل معها بشكل أكثر غامرة. كما يمكن أن يؤدي الواقع المعزز إلى دمج العالم الرقمي مع العالم الواقعي بشكل أكثر سلاسة.

من الصعب التكهن بالتأثيرات الدقيقة لهذه التقنيات، ولكن من الواضح أنها ستلعب دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الإنساني في المستقبل.

خاتمة

أعتقد أن الفهم العميق لأزمة الذات الإنسانية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي يتطلب تحليلًا متعدد الأبعاد. يجب أن ننظر إلى تأثير هذه الوسائل على الفرد والمجتمع بشكل شامل، مع التركيز على كيفية تشكيل الهوية الإنسانية وتحديد مفهوم الذات. إن التساؤلات الفلسفية حول الذات والهوية لا تزال تستحق الاهتمام والدراسة، لنضمن استمرار التفكير النقدي والتقدم نحو فهم أعمق للإنسان في هذا الزمان المتقلب. وعندها ربما يمكننا الأجابة على سؤال من نحن ؟

أزمة الهوية أو اضطراب مابعد السوشيل ميديا! من أنت؟

فلسفة الإخراج السينمائي

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Subscription Form