عواطف عند الطلب: زراعة المشاعر في العصر الرقمي

مؤخرا ً شاءت الصدفة القهرية أن أشاهد فيلم “عقل نظيف” حيث الأفكار المعقدة والعميقة حول محو الذكريات الأليمة تتخلل السيناريو، وهو فيلم يطرح فكرة مثيرة للجدل حول تمكن الشخصيات من الهروب من واقعهم الأليم بإزالة الذكريات المؤلمة، مع تصاعد أحداث الفيلم، بدأت أفكر بعمق في مسألة استخدام التكنولوجيا لتعديل أو حتى زرع المشاعر لدينا. هل حقًا يمكن!! أو ينبغي لنا أن نستخدم التكنولوجيا للتلاعب بأحاسيسنا؟ نجح السؤال في زرع الفوضى برأسي، فوضى الشك والتناقضات والتحديات الأخلاقية لفكرة لاتقل خطورة ربما عن فكرة التلاعب بالجينات البشرية أو استنساخ الأحياء.
هذا السؤال لم يكن مجرد فضول عابر، بل أعادني إلى تجربة شخصية عميقة. قبل سنوات مررت خلالها بفترة من الحزن الشديد وكنت أتمنى حينها لو كان بإمكاني محو ألمي الذي كنت أعاني منه. كنت أتخيل ما إذا كان بإمكاني زرع شريحة صغيرة في دماغي تجعلني سعيدًا ومتوازنًا، تخلصني من هذا العبء الثقيل. والفيلم ببساطة أعاد هذه الذكريات وأحيا داخلي التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التكنولوجيا ستكون الحل السحري لمشكلاتنا العاطفية، أم أنها ستفتح بابًا لمشاكل أخلاقية ونفسية أكبر.
تخيل ياعزيزي القارئ عالمًا حيث يمكنك فيه زيارة طبيب نفسي ليس للتحدث معه عن مشكلاتك، بل طلباً لزراعة إحساس الفرح أو التخلص من ثقل الحزن لديك. ماذا لو كان بإمكانك شراء جرعة من الثقة لتستعد لمقابلة عمل؟ أو التخلص من خوفك من الارتفاعات ببساطة بتركيب إحساس جديد؟
هذا التقدم لا يمكن إلا أن يثير أسئلة فلسفية عميقة حول جوهر الإنسانية. فالأحاسيس هي التي تشكل تجربتنا الإنسانية، تعطي معنى لحياتنا وتحدد تفاعلاتنا مع العالم من حولنا. فإذا تمكنا من تغيير أحاسيسنا وفقًا لرغباتنا، هل سنظل نحن؟ وماذا سيحدث لمفاهيم مثل الألم والمعاناة، والتي، بقدر ما هي صعبة، فإنها تسهم في تشكيل شخصياتنا وقيمنا؟
أنمار السيد

ثمن السعادة المزروعة
من جهة أخرى، يمكن لهذه التقنية أن تحل مشكلات إنسانية عميقة. الاكتئاب، القلق، وغيرها من الاضطرابات النفسية يمكن أن تُعالج بفاعلية أكبر بكثير. لكن، هل سيؤدي ذلك إلى مجتمع يفتقر إلى العمق العاطفي، حيث يعيش الناس في حالة من السعادة المصطنعة، منفصلين عن الواقع والتحديات الحقيقية للحياة؟
كذلك، قد تظهر قضايا أخلاقية واجتماعية معقدة. من سيتمكن من الوصول إلى هذه التقنية؟ هل ستكون متاحة للجميع أم أنها ستصبح أداة أخرى لتعميق الفجوات بين الأغنياء والفقراء؟ هل سيتم استغلال هذه التكنولوجيا من قبل الحكومات للتحكم في السكان؟
صحيح أن التكنولوجيا قد تقدم لنا حلولاً سريعة ومريحة، لكنها تأتي أحيانًا بتكلفة نفسية غير متوقعة. فالأدوية المضادة للاكتئاب، مثلاً قد تخفف من حدة الأعراض لكنها لا تعالج الأسباب الجذرية للمشكلات النفسية. يذكرني هذا بكلمات كارل يونغ الذي قال: “ما لا نواجهه في أنفسنا سنواجهه كقدر.” هل نسمح للتكنولوجيا بأن تكون بمثابة غطاء يخفي تحته مشكلاتنا العميقة بدلاً من مواجهتها؟
الفيلسوف جون ستيوارت ميل في نظريته حول النفعية يطرح أن الأعمال الصحيحة هي تلك التي تحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. ولكن، هل يعتبر التحكم في عواطفنا لتحقيق السعادة السطحية تطبيقًا صحيحًا لهذه النظرية، أم أنه تجاوز لحدود الأخلاق الإنسانية؟
هناك أيضا ً مقولة جميلة للفيسلوف جان جاك روسو يقول فيها ” العلم الذي يحررنا من الشعور بالألم، يمكن أن يجردنا من الشعور بالسعادة ” فالعلم الذي يمكن أن يحررنا من الشعور بالألم، هو نفسه يمكن أن يجردنا من الشعور بالسعادة.” مما قد يؤدي إلى عزلة أكبر بين الأفراد في المجتمع وقد نصل ربما إلى نقطة يصعب التمييز فيها بين ما هو أصيل وما هو مُعدّل، مما يثير تساؤلات حول الأصالة والتلقائية في شخصيتنا..
أنمار السيد
إن محاولاتنا البشرية “المادية الاستهلاكية” لإيجاد حلول تكنولوجية لكل مشكلة، قد نغفل عن المخاطر التي تأتي معها. فتظهر تجارب مثل تلك التي وصفها إلدوس هكسلي في “عالم جديد شجاع”، حيث التحكم التكنولوجي في العواطف يخلق مجتمعًا منزوع الإرادة والحرية الفردية. هذه الرؤية تحذرنا من أن الاستخدام الغير مدروس لتكنولوجيا زراعة الأحاسيس قد يقود إلى فقدان جوهري لما يعنيه أن تكون إنسانًا .
لذلك نرى أن التسارع التكنولوجي دائما يدفعنا إلى إعادة التفكير بمفهوم الحضارة ومعنى الحرية والاختيار. فإذا كان بإمكاننا التحكم في أحاسيسنا بشكل كامل، هل نختار السعادة دائمًا؟ أم أن بعضنا سيختار تجربة الألم والمعاناة ؟ هذه الأسئلة تطرح تحديات على فهمنا الحالي للأخلاق والمسؤولية الشخصية.

مسؤولية الاختيار
دعونا ننتقل إلى زاوية أخرى في نقاشنا لماذا البشرية تحتاج التكنولوجيا لزراعة المشاعر إذا كان البشر أساسا بطبيعتهم وتفاعلاتهم يمتلكون بالفعل القدرة الفائقة على تشكيل العواطف والمشاعر لدى الأخرين ولدى أنفسهم سواء كانت إيجابية أو سلبية. إننا يا سادة محترفون جدا في زرع مشاعر أنفسنا أوفي الآخرين من خلال أفعالنا، كلماتنا، وحتى نظراتنا التي نوجهها تجاه الأشياء والناس من حولنا.
على سبيل المثال، هناك جرائم قتل عديدة تمت بدافع من مشاعر سلبية تم زرعها في القاتل، ربما بكلمة أو نظرة استفزازية. هذه المشاعر السلبية عندما تتراكم دون معالجة أو تفهم، يمكن أن تؤدي إلى تداعيات مأساوية. وتعتبر قصة الجريمة التي وقعت في ولاية تكساس عام 1991، حيث أقدم الشاب جيريمي ديامور على قتل زميله في المدرسة بسبب سلسلة من الإهانات والنظرات الاستفزازية التي تلقاها على مدى فترة طويلة، مثالاً حياً على كيف يمكن للمشاعر السلبية المزروعة أن تؤدي إلى تداعيات مأساوية. هذه المشاعر السلبية التي قد تتحول إلى غضب وعدوان يمكن أن ينفجر في أي لحظة.
هل تذكر آخر مرة زرعت فيها كلمة أو نظرة حزنًا أو ألمًا في قلب شخص آخر؟ وهل يمكنك يمكنك تحمل المسؤولية عن ذلك؟
كم مرة استخدمت كلماتك لخلق شكوك أو خوف في عقل شخص آخر؟ هل تعتبر هذا تلاعبًا مبررًا أو سوء استخدام لقوتك العاطفية؟
هل فكرت يوماً في المرات التي زرعت فيها اليأس بدلاً من الأمل في نفوس الآخرين. ما الذي كان يمكن أن يحدث لو اخترت بدلاً من ذلك تقديم الدعم والتشجيع؟
أنمار السيد
من ناحية أخرى هناك إنجازات بشرية عظيمة نتجت عن زرع مشاعر الإرادة والمثابرة. فكر في قصة توماس إديسون الذي واجه الفشل مئات المرات قبل أن يتوصل إلى اختراع المصباح الكهربائي. وبالمثل يُعتبر مارتن لوثر كينغ مثالاً آخر على الإنجازات الناتجة عن الإصرار والعزيمة. لقد واجه كينغ التمييز العنصري والتهديدات بالقتل، لكنه واصل كفاحه من أجل الحقوق المدنية، مما أدى إلى تحسين ملحوظ في حقوق الأمريكيين من أصول إفريقية. إرادته القوية وإيمانه بالعدالة زرعا مشاعر الأمل والتغيير في قلوب ملايين الناس.
هذه الأمثلة تبرز كيف يمكن للبشر أن يتولون بأنفسهم مهمة زراعة المشاعر، سواء كانت سلبية تؤدي إلى الدمار، أو إيجابية تؤدي إلى التغيير الاجتماعي الإيجابي والتقدم البشري.
لذا، بدلاً من السعي وراء حلول تكنولوجية سطحية لمشاكل عميقة، يجب علينا استكشاف العوالم الداخلية لأنفسنا، وتقوية القيم التي تعيد للإنسانية جوهرها الحقيقي. عبر هذه الرحلة الداخلية، سنتمكن من إعادة إنتاج الأحاسيس الحقيقية التي تجعل الحياة تجربة غنية ومُرضية، تتسم بالتعاطف والمحبة، بعيدًا عن الاصطناع والتلاعب
أنمار السيد
فالطريق الحقيقي لإحياء وتجديد الأحاسيس يكمن في تجاوز النزعات المادية والأنانية التي زرعتها ثقافة الاستهلاك المفرط والتطرف في إشباع الذات. يتطلب الأمر تفكيك الفكر الذي يعتبر الإنسان مجرد كيان يستهلك وينتج، وبناء ثقافة تقدر العمق العاطفي والروابط الإنسانية. عبر تنمية الوعي الذاتي والتعاطف، والسعي لفهم الآخر والارتقاء بالروح عبر الفن والفلسفة والتأمل، يمكننا إعادة اكتشاف أحاسيسنا الأصيلة وتعزيزها.
في نهاية المطاف، رغم التقدم العلمي الهائل الذي قد يبدو أنه يتيح لنا زراعة الأحاسيس، يظل السؤال الأساسي مطروحًا: هل حقًا يمكن “زراعة” المشاعر في البشر؟ الواقع أن ما يتم تقديمه ليس إلا إعادة إنتاج مصطنعة لما يجب أن ينبع طبيعيًا وأصيلًا من داخل كل إنسان. المشاعر، بكل تعقيداتها ودقائقها، هي نتاج تفاعلاتنا الإنسانية، تجاربنا الحياتية، وصراعاتنا الداخلية. لا يمكن تجزئة الأحاسيس إلى عناصر يمكن تبديلها وتركيبها مثل قطع غيار الآلات.
تخيل للحظة، لو كان بحوزتك سرًا تقنية زراعة المشاعر. أوووه، ماذا كنت ستفعل!! هل كنت ستغرس شعور العشق في قلب تلك الفتاة اللامبالية التي لا ترى فيك إلا صديقاً أو ربما لوحاً أسمنتياً، أو تحقن بعض الرحمة في قلب مديرك الجليدي الذي يظن أن العطلة هي مجرد أسطورة؟ تصور معي، تمشي مختالًا في المكتب والناس حولك يغمرونك بالمشاعر الدافئة، كل ذلك بضغطة زر.
لكن هل تظن فعلاً أن هذا سيحل مشكلاتك العاطفية!! أم أنك ستنتهي كبطل فيلم خيال علمي يحاول إصلاح جهازه العاطفي المعطل.