إيمان الهاشمي: بصمة إماراتية فريدة في عالم الموسيقى.


عندما جلستُ أمام إيمان الهاشمي في ذلك اللقاء الصحفي، شعرتُ أنني لا أحاور شخصاًبل أقترب من سيمفونية حيّة تُعبّر عن ذاتها في كل حركة، كل إيماءة، وكل نغمة. كانت إيمان تُحلق بنعومة كفراشة تنبعث من نغمة وتغزل أجنحتها من ضوء لا يُرى، كأنها تخاطب الكون بلغته السرية. تلامس أصابعها مفاتيح البيانو برفق، وكأنها تهمس لكل نغمة بأن ترتفع إلى أفقٍ لا حدود له، تاركةً خلفها ظلالاً من التأمل والعمق. في كل نغمة تعزفها، أرى ضوءًا خافتًا يملأ الفراغ، حركة تُضفي بُعدًا جديدًا للصوت، فتبدو الموسيقى كنافذة مفتوحة على عالمٍ موازٍ، تتقاطع فيه الحقيقة مع الحلم، كأنما تتماهى فيه صرخات السكون مع همسات الصخب في تناقض مذهل. في تلك اللحظات، كأن روحها تمشي على حافة القمر باحثة عن معنى يضيء المسافة ما بين الضجيج والسكينة.
إيمان ليست فقط شاعرةً أو موسيقية؛ هي كيان إبداعي فريد يجمع بين البساطة والتعقيد، ويتأرجح على خيطٍ رفيعٍ بين الوضوح والغموض، تخلق معها حالةً من التساؤل الداخلي.وكمتلقٍ كنت أجد نفسي أمام مرآة الذات، حيث تتساقط الأسئلة كقطرات الندى: واتساءل ترى عن ماذا تتحدث عن الحب أم عن الفناء؟ وهل تحمل نداءً للروح أم رسالة للعقل؟
لا شيء يثبتُ عند حدٍّ معين مع إيمان، فكل شيء لديها ممتد في ضبابيةٍ جميلة، مثل لحن يعرف طريقه ولكنه يظل يبحث عن إيقاعٍ أعمق.
تحدثنا عن الفن وعن أثره العميق في الإنسان، عن تلك الرسالة التي تحملها حروفها ونغماتها معًا. أدهشني قولها إن رسالتها ليست مجرد قصائد أو مقطوعات؛ بل هي دعوة للتوقف والتأمل في الذات، دعوة للبحث عن معاني الحياة في بساطتها العميقة. قالت، بصوت كأنما يستمد من الموسيقى نفسها طاقته، “لا تستعجلوا الخطى، فالحياة قصيدة تستحق أن نتذوق كل بيت فيها قبل أن ننتقل للبيت التالي.” رأيت في كلماتها فلسفة تحثنا على إدراك قيمة اللحظة وسط ضجيج الحياة، وتجسيدًا حيًا للفن الذي يلامس الروح قبل أن يعانق العقل.
لمن لا يعرف إيمان فقد فاته الكثير من الجمال والإبداع، فإيمان الهاشمي ليست مجرد موسيقيةٍ عادية؛ فهي أول ملحنة إماراتية حققت بإبداعها ما لم يسبقها إليه أحد من نظيراتها ، مما جعلني أدرك أن أهمية إيمان تتجاوز الإنجاز الفني من كونها فتحت الأبواب للأجيال القادمة من اللواتي يرغبن في دخول عالم التأليف والتوزيع الموسيقي، وكسرت الحدود بفضل المثابرة والشغف بأسلوبها الفريد، حيث استطاعت أن تصنع لنفسها مكانةً خاصة في المشهد الفني، وأصبحت مثالاً يُحتذى به لكل امرأة تطمح لخوض غمار الإبداع في عالمٍ كان يُنظر إليه على أنه مجالٌ غير مألوف للنساء.
في نهاية اللقاء، شعرتُ أنني أمام ظاهرة فنية تتجاوز دور العازف والشاعر؛ فهي ليست من يعزف الموسيقى بل هي من تعزفها الموسيقى، وكأن الألحان تبحث عنها لتبث من خلالها روحًا جديدة. تتشكل النوتات على أصابعها كأصداء تسبح في فضاءٍ أوسع من المكان والزمان، كأن الكون ذاته يجد فيها وسيلةً ليعبر عن نفسه، لتغدو إيمان جزءًا من معزوفة كونية تتجاوز المفاهيم التقليدية للصوت، حيث الموسيقى تتحرر من قيود اللحن وتتحول إلى لغةٍ تتحدثها الأرواح دون أن تنطق بها.
وكما تُنطق الألحان بها، كذلك الكلمات لا تُكتب بأقلامها، بل تنسج ذاتها في روحها قبل أن تراها الورقة. الكلمات تلتف حولها، تهمس في أذنها بقصائد تتكون من تلقاء نفسها، كأنها لغة منسية تنتظر من يحلّ ألغازها.
إيمان ليست شاعرة تروي الحكايات؛ بل هي صوت تلك الحكايات التي تسكن في تفاصيل الصمت، تتجسد عبر سطورها لتلامس أعمق جوانب الروح. هنا، تتحول الكلمة من مجرد وسيلةٍ للمعنى إلى معنى بذاته، تنبض بما لا يمكن أن يُقال، كأنها نافذة تطل من خلالها على أرواحنا، لتكشف لنا ملامح لم نرها في ذواتنا من قبل.
حين غادرت اللقاء، ظل صدى حديثها ونغماتها يتردد في داخلي، وأدركت أن إيمان ليست مجرد فنانة؛ إنها ظاهرة إبداعية غنية وثرية، وتوقظ فينا تساؤلاتٍ دفينة. إبداعها ليس كلماتٍ وألحانًا عابرة، بل انعكاسات لرؤى خفية تُعزف بغير أصوات، تحمل في طياتها الفن الأصيل الذي لا ينتهي بنهاية اللحظة، بل يندمج بنسيج الحياة، صوتًا يتردد بداخلنا كلما أردنا أن نلتقي بذاتنا الحقيقية. هناك، في تلك النقطة الغامضة بين الحلم والواقع، حيث تتجلى الموسيقى وتهمس لنا بأن الجمال الحقيقي لا يُصنع، بل يُكتشف.
لزيارة الموقع الرسمي للأستاذة إيمان الهاشمي