4 أبريل، 2025
#غير مصنف

حساوي وملحمة العبور: قراءة في رواية “ممر المشاة”

في عالم القراء تعد كل رواية بوابة تقود إلى رحلة استكشافية لا تخلو من المغامرات والاكتشافات.ولا أخفيكم سرا ً أن “رواية ممر المشاة” لراهيم حساوي، ليست مجرد مجموعة من الصفحات المطبوعة بل هي خريطة لكنز ثمين يسمى الحياة. في كل مرة أمسك برواية أشعر بأنني مثل البحارة القدامى يشق غمار محيطات وجزر لم تُستكشف بعد في رحلة جسورة نحو إيجاد إكسير المتعة الذي يثير الروح ويُنير العقل.


وأعتقد أن كل رواية نقرأها أو تقرأنا إذا جاز لنا التعبير، تنبعث منها رائحة الورق المعطر بأحلام وآمال شخصياتها وكأنها دعوة للانغماس في عالم موازٍ يختبر معتقداتنا ويحفز مخيلتنا.

 “ممر المشاة” لم تكن استثناءً فمنذ اللحظة التي أزلت فيها الرواية من رف المكتبة الصغيرة وبدأت في قراءتها برفقة فنجان قهوتي، أدركت حينها أني على وشك الدخول في مغامرة عبر شوارع النيجر إلى برلين مرورًا بقلوب وأرواح شخصيات معقدة ومليئة بالتناقضات. فمع كل فصل من فصول هذه الرواية أجد نفسي أتورط أكثر في استكشاف شخصياتها المعقدة والدوافع الخفية التي تحركهم.

كل واحد من هذه الشخصيات كان بالنسبة لي يمثل جغرافية مجهولة مليئة بالأسرار لا تكشف عن كنوزها بسهولة. فالأسئلة التي تطرحها الرواية تظل معلقة في الذهن مثل نجوم مضيئة تقودنا نحو التأمل والاستفهام عن معنى الحياة وتحديات الهوية التي تواجه الإنسان في مختلف المراحل والبيئات.

في هذه الرحلة الروائية الأدبية  حيث كل تحول وكل اكتشاف يُمثل خطوة نحو فهم أعمق للذات والعالم، تصبح “رواية ممر المشاة” أكثر من مجرد قراءة أنها تجربة تحولية تمامًا كالبحث عن الكنز الذي لطالما حلم به البحارة القدامى و سفر عبر الزمان والمكان وبحث دؤوب عن أجوبة لأسئلة قد لا نجرؤ على طرحها بصوت عال.

والسؤال الذي شغلني وشاغلني وحملته على ظهري حتى نهاية الرواية هو لماذا “ممر المشاة” ؟ وأعتقد أن الكلمتين ليست فقط عنواناً لرواية، بل هي وصف دقيق لمسار كل قارئ يجوب عبر صفحات الكتب ويدرك أن الإجابات التي نسعى إليها قد لا تكون واضحة دائمًا لكن رحلة القراءة في حد ذاتها هي التي تعطي الحياة معناها.

وللأمانة أن أكثر ما لفت انتباهي في قلب “ممر المشاة” رحلة شخصية نوح التي تعبر عن الانتقالات العميقة والمؤلمة التي يمر بها المهاجرون وهو ما يظهر جلياً في حياة الشخصية التي تنمو وتتغير بتأثير من البيئات المتباينة التي يعبرها. وهنا تظهر براعة حساوي في تصوير هذه التحولات الدرامية من خلال اللغة الرمزية والوصف العميق فيصف نوح بالقول :

” كان كل شيء يحثني على المسير دون توقف، وكانت أوراق الأشجار الصفراء مرمية على امتداد الرصيف وكأنها أوراق نقدية طارت من أحد البنوك إثر عاصفة عملاقة “.

هذا الوصف ليس فقط يُظهر الصراع الداخلي لنوح بين الاستمرار والتوقف، بل يعكس أيضًا شعوره بالضياع والفوضى في حياته وكأن العالم من حوله يتفكك. الأوراق الصفراء ربما ترمز إلى الفرص الضائعة والأحلام المتساقطة كما لو أنها تذكير بفانية الأشياء.

أثناء مرور نوح بتحولات عديدة، يتجلى التحليل النفسي للشخصيات في كيفية استجابتهم للصدمات والتجارب الجديدة. حيث يشير حساوي إلى هذه الديناميكية من خلال الاستعارات المكانية والزمانية، كما في القول.

” وكثيرة هي الأشياء في هذه الحياة تحدث على هامش أشياء أخرى، في كل مكان يبقى المرء يبحث عن هامش على هامش آخر دون أن ينتبه لذاته التي يرفض أن ينظر إليها كهامش جيد مادام يبحث عن الهوامش”

” يستكشف الأقتباس عمق الفكرة الفلسفية حول الحياة التي تدور في الهوامش حيث يصور الكاتب كيف أن الأحداث الكبرى في حياتنا غالبًا ما تجري على هوامش تجارب أكثر شمولية مشيرًا إلى أن الإنسان يميل إلى البحث المستمر عن معانٍ وقيم في زوايا متعددة من الواقع دون أن ينتبه لأهمية الذات كعنصر محوري في هذه الرحلة. يعكس البحث المتواصل عن “هامش على هامش آخر” الرغبة الإنسانية في التقدم والاستكشاف، ولكن أيضًا يبرز التغاضي عن القيمة الذاتية التي يملكها الفرد في قلب هذه العملية.

وفي الوقت عينه يُظهر الجزء الثاني من الاقتباس كيف يرفض الأفراد رؤية أنفسهم كعناصر ذات قيمة (“كهامش جيد”)، ما يسلط الضوء على معضلة الاغتراب الذاتي. حيث يتجاهل الناس غالبًا الفحص الذاتي والتقدير الشخصي بينما ينغمسون في السعي وراء الإجابات والمعاني الخارجية.

 هذه الديناميكية تقدم تأملًا نقديًا حول كيفية تأثير الهجرة والتحولات الشخصية على فهم الفرد لهويته ومكانته في محيطه مما يحفز تحليلًا نفسيًا وفلسفيًا عميقًا حول الذات والوجود.

“أنا في النيجر كنت مشغولاً طوال الوقت برمي روحي أمامي والسير وراءها إلى حيث تقودني، كنت أريد لها أن تتحرر، وكانت تريد لي أن أتقن الإيمان بها وهي في أسوأ حالاتها”.

لو تأملنا أيضا ً كلمات الأقتباس برأيي سنراها تعكس النزاع الداخلي والتحديات النفسية التي يواجهها نوح في رحلته للتصالح مع ذاته وتحريرها من القيود التي تكبلها. فالرواية تقدم نوح كمثال على الإنسان الباحث عن معنى أعمق لحياته و مستكشفًا أبعاد النفس البشرية في مواجهة الغربة والتغيير.

رواية “ممر المشاة” وفيلم “بابل” يجمعان بين الغربة والانتماء

إن قراءة “رواية ممر المشاة” لراهيم حساوي ذكرتني بمشاهدتي لفيلم “بابل”  لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو. كلا العملين يتناولان رحلات شخصياتهما عبر ثقافات وحدود متنوعة، مستكشفين تأثيرات العزلة، الصدف، والتفاهمات المُساء تفسيرها. بينما يركز حساوي على تحولات نوح الداخلية ومعاناته مع الهوية والانتماء في غربته، يقدم إيناريتو موزاييك من القصص المترابطة عبر قارات كل منها يلامس جانبًا من جوانب الصراع الإنساني والثقافي.

فالشخصية المركزية في “بابل”، والتي يمكن مقارنتها بنوح و هي الشابة الأمريكية المصابة في المغرب التي تؤدي دورها الممثلة الأميريكية كيت بلانشيت، والتي تُظهر كيف يمكن للحوادث العشوائية أن تقود إلى سلسلة من الأحداث المتسارعة والمتداخلة. وإن تشابه هذه الشخصية مع نوح لا يكمن فقط في تجربة الغربة والعزلة ولكن أيضًا في كيفية تفاعلهما مع ثقافات جديدة ومحاولتهما فهم وتفسير العالم حولهما. فكل منهما يعبر عن رحلته الشخصية التي تكشف عن تحديات الانتماء والهوية في عالم مترابط ومعقد.

مشاهدتي لـ “بابل” كانت تجربة تعكس بعمق الأثر الذي يمكن أن يخلفه الفهم الخاطئ والعزلة على النفس البشرية. الفيلم، مثل الرواية، يعتبر تأملاً في كيفية تقاطع حيواتنا بطرق غير متوقعة، وكيف أن كل اختيار وحادثة تؤثر على مصائر الآخرين. من خلال الرواية والفيلم نرى العالم ليس كمجموعة من الأحداث المنفصلة، بل كشبكة متشابكة من العلاقات والقرارات التي تشكل واقعنا المشترك.

فالربط بين “ممر المشاة” و”بابل” فتح أمامي بانوراما من التفسيرات والفهم لكيفية تعامل الأفراد مع الغربة والتحديات الثقافية.معززًا إدراكي للدور الذي يمكن أن يلعبه كل من الأدب والسينما في تقديم نقد اجتماعي وثقافي عبر تصويرهما للتجربة الإنسانية المشتركة.

كيف جسّد حساوي الغربة في “ممر المشاة” !

رحلة القراءة لـ”رواية ممر المشاة” لراهيم حساوي ومشاهدتي لفيلم “بابل” أثرت عميقًا في تقديري لكيفية استخدام الفن لاستكشاف وتقديم القضايا الإنسانية. فالأسلوب الأدبي الذي يتبعه حساوي في الرواية يعكس براعة فريدة في التعبير عن العزلة والانتماء من خلال لغة شاعرية ترسم الحالات النفسية والمكانية للشخصيات. وعلى سبيل المثال يصف حساوي شعور نوح بالغربة والتيه بهذه الكلمات:

“أشعر بأني غريب على الأرض التي وُلدت فيها، وغريب على الأرض التي تسكنني. كل مكان أذهب إليه، لا يكون مكاني”.

تُظهر الرواية في هذا الاقتباس كيف تُستخدم اللغة لنقل تجربة الاغتراب العميق الذي يواجهه الأفراد في الغربة. حيث يستعمل حساوي مفردات تحمل ثقلًا عاطفيًا وفلسفيًا، مما يعزز من البُعد الدرامي للنص ويجعل القارئ يشعر بمعاناة الشخصية بشكل مباشر ومؤثر.

بالإضافة إلى الاستخدام العميق للغة، يبرع حساوي في سرد القصة بأسلوب يجمع بين الوصف الدقيق والتحليل النفسي. فيظهر هذا النهج من خلال وصفه للمدينة التي يجد فيها نوح نفسه مرارًا وتكرارًا:

“المدينة التي تعيش فيها لا تحتضنك، تعاملك كالغريب الدائم، تلك هي الحقيقة التي لا تريد أن تواجهها، لكنها تلاحقك في كل خطوة”

هذا التصوير للمدينة ككيان بارد وغير مرحب يكشف عن الصعوبات التي تواجه الشخصيات في الرواية، وكيف تتشابك هذه الصعوبات مع البيئة المحيطة بهم. يعمل الأسلوب الأدبي هنا كأداة لتوسيع فهمنا للديناميكيات النفسية والاجتماعية التي تحكم تجاربهم.

تلك العناصر مجتمعة تجعل من “رواية ممر المشاة” عملاً أدبيًا غنيًا يستحق القراءة والتأمل. تُظهر الرواية كيف يمكن للكلمات أن تبني جسورًا بين الثقافات وتفتح نوافذ على تجارب الآخرين مما يعزز الفهم المشترك ويقدم منظورًا جديدًا على الحياة في مختلف أنحاء العالم.

إن رواية “ممر المشاة” تعد أكثر من مجرد قصة، إنها استكشاف عميق للنفس البشرية في مواجهة العقبات الثقافية والاجتماعية. فراهيم يستخدم اللغة بمهارة لرسم الحالات النفسية مقدماً تجربة غنية تسمح للقراء بالغوص في أعماق الشخصيات وتحدياتها من خلال هذا العمل يتم تعزيز فهمنا للديناميكيات الإنسانية والجدليات الاجتماعية ما يبرز الرواية كمساهمة قيمة في الأدب العربي و العالمي على حد سواء.

خلال هذا المقال، استكشفنا “رواية ممر المشاة” لراهيم حساوي، وقارناها بفيلم “بابل” لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، ووجدنا أن كلا العملين يتقاطعان في تناولهما لمواضيع الهجرة، الانتماء، والهوية من خلال نظرات فنية متفردة. ومن خلال تحليل الشخصيات والأحداث رأينا كيف يبرز حساوي الصراعات الداخلية والتحديات الثقافية التي تواجه شخصيات الرواية لديه.

يمكنني القول بكل ثقة أن الرواية تعد ملحمة نفسية واجتماعية تغوص في أعماق الهوية الإنسانية وتحديات الهجرة بأسلوب يجمع بين العمق الفلسفي والدقة الأدبية. الرواية ببراعة ترسم صورة زاهية للتحولات الداخلية التي يمر بها الأفراد عند الانتقال بين الثقافات وهي تقدم للقارئ عدسة مكبرة لرؤية الحياة عبر ممرات الروح والجغرافيا.والسرد فيها يتميز بالغنى اللغوي والوصف الحيوي الذي ينقل القارئ إلى تجربة نوح بشكل يكاد يكون محسوسًا مما يجعل الرواية تجربة قراءة غنية ومثرية.

مع ذلك تمنيت ُ لو كان التوازن بين تطوير الشخصيات والأحداث الدرامية أكثر إحكامًا فكنت أشعر في بعض الأحيان أن الوصف الداخلي العميق يغلب على تقدم الحبكة مما قد يشتت القارئ أو يؤدي إلى تباطؤ السرد. ولا شك أن الغوص في النفس الإنسانية يعد من أقوى مميزات حساوي لكن تحقيق مزيد من التوازن قد يعزز من جاذبية الرواية لدى قطاع أوسع من القراء الذين يبحثون عن ديناميكية أكثر في التسلسل الدرامي وبرغم هذه الملاحظة “الحسية”، تبقى “ممر المشاة” عملاً متميزًا يستحق القراءة والتأمل.

أدعو كل محبي الأدب والسينما لقراءة “رواية ممر المشاة” ومشاهدة فيلم “بابل” لتجربة كيف يمكن للفن أن يمس الروح ويوسع الأفق. كلا العملين يقدمان منظورات فريدة عن الحياة ومليئة بالتحديات والتجديد، و فهمًا أعمق وأوسع للعالم من حولنا. إنها رحلة فنية تستحق الخوض فيها، تعد بالإلهام والتأمل وفتح نوافذ جديدة على تجارب الإنسانية المشتركة.

في ختام هذه الرحلة الأدبية مع “رواية ممر المشاة” يسير نوح في هذا الممر ومعه كل قارئ وفي مقدمتهم أنا، متنقلين عبر الزمان والمكان ومتخطين الحدود الفيزيائية والروحية. إن نوح وكل شخصية في الرواية وكل واحد منا هو أحد المشاة في رحلة الحياة حيث الطريق لا يُقاس بعدده من الأميال بل بعمق التجارب وشدة التحولات التي نختبرها، فكل خطوة تقودنا إلى مفترق طرق وكل مفترق يحمل إمكانيات لا نهائية من الاختيارات والمصائر.

“ممر المشاة” هي رحلة إنسانية بكل تعقيداتها من الولادة إلى النهاية، من البساطة إلى الفهم العميق، من الفردي إلى الكوني. وهي دعوة لنا جميعًا لنتأمل كيف أن كل خطوة حتى تلك التي تبدو بلا هدف، تسهم في نسج النسيج الواسع لمعنى الحياة. في هذا الممر الذي رسمه حساوي كل خطوة هي قصة وكل قصة هي بحث مستمر عن الهوية، الانتماء، والغاية.

للحصول على رواية “ممر المشاة” أضغط على صورة الغلاف

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Subscription Form