قاتلات في الظل: الوجه الخفي للإرهاب النسائي

هل يمكن أن تكون المرأة أكثر شراسة من الرجل في ساحة القتال؟ كيف تتحول الأنوثة إلى رصاصة قاتلة؟ قبل سنوات، قرأت كتاب يغوص في أعماق عقول نساء احترفن العنف، من الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى البادر ماينهوف وغيرها من الجماعات المسلحة.
“أطلق النار على النساء أولًا”… عنوان صادم لكتاب أكثر صدمة! للصحفية الألمانيةإيلين ماكدونالد التي تأخذنا في رحلة مثيرة، مليئة بالمفاجآت والحقائق الصادمة، حيث تكشف كيف ولماذا تنخرط النساء في “الإرهاب” او العنف إذا جاز لنا التعبير، وما الذي يجعلهن أحيانًا أكثر قسوة من الرجال.
العنوان، الذي يتسم بالجرأة، يعكس فكرة شديدة الإثارة: “أطلق النار على النساء أولًا”، وهي مقولة منسوبة إلى ضابط في مكافحة الإرهاب يوجه رجاله لاستهداف النساء في العمليات العسكرية أولاً. وهذا التصريح، رغم صدمته، يسلط الضوء على كيف يُنظر إلى النساء في السياقات السياسية والعسكرية على أنهن قد يكونن أكثر قسوة وتصميمًا من الرجال. فما الذي يدفع المرأة لتخطي الحدود التقليدية لدورها في المجتمع؟

منذ الأزل، ظل دور المرأة في الحروب والنزاعات السياسية موضع تساؤل وتجاهل. يتم تصويرها غالبًا على أنها ضحية للصراع، أو ربما كتلك التي تقع في دائرة الأذى الناتج عن العنف. لكن في كتاب فورثي، يتغير هذا التصور بشكل جذري. الكتاب لا يقدم تصويرًا تقليديًا للنساء في “الإرهابيات”، بل يعرضهن على أنهن فاعلات رئيسيات في هذا العالم المظلم. حيث تقول فورثي في إحدى فصول الكتاب: “النساء ليسوا فقط ضحايا الحروب، بل في بعض الأحيان هنَّ من يوجهونها”.
الفكرة التي تطرحها إيلين ماكدونالد تدعو إلى التفكير بشكل أعمق. لماذا يُصوّر المجتمع النساء دائمًا على أنهن خارج دائرة العنف؟ وكيف يمكن أن تساهم المرأة في صناعة الموت بدلًا من الحياة؟ في كتابها، تسلط فورثي أيضاً الضوء على نساء أنجزن عمليات “إرهابية” معقدة، وكان لهن تأثير ملموس في استراتيجيات الهجوم والتنظيم. فمن الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى منظمة بادر ماينهوف، كانت هناك نساء ساهمن بشكل جوهري في تطوير التكتيك “الإرهابي”، وحتى قيادة العمليات.
واعتقد أن المرأة، بسبب الدور الاجتماعي التقليدي الذي يُفرض عليها، غالبًا ما يُنظر إليها كرمز للرحمة والعطف. لكن هذا التصور يتعرض للاختراق في كتاب ماكدونالد الذي يظهر لنا النساء كقوة دافعة وراء الإرهاب. في “الجماعات الإرهابية” مثل “الجيش الجمهوري الإيرلندي” و”منظمة بادر ماينهوف”، لم تكن النساء مجرد مشاركات سلبيات؛ بل كن قائدات، مهندسات استراتيجيات، ومخططات عمليات. تقول فورثي: “النساء في هذه الجماعات لم يكنَّ مجرد ضحايا للنظام، بل كنَّ القوة التي تقف وراءه”.

لنأخذ على سبيل المثال شخصية إلين، أحد أبرز الوجوه النسائية في منظمة بادر ماينهوف. إلين لم تكن مجرد منفذة لأوامر، بل كانت ذات تأثير واضح في تحديد مسار العمليات، سواء من حيث التنظيم أو التنفيذ. وفي الجيش الجمهوري الإيرلندي، كانت النساء جزءًا لا يتجزأ من بنية الحركة، وكنّ من بين القادة الذين يضعون الخطط ويشرفون على العمليات الإرهابية الكبرى. وهذا يثير التساؤل: هل هذه النسوة كنَّ مجرد أدوات أم فاعلات في سياق أكبر من الإيديولوجية؟
لا يمكننا أن نفهم دور النساء في العنف دون العودة إلى الأسباب النفسية والاجتماعية التي تقف خلف انخراطهن في هذه الحركات المتطرفة. فـــ إيلين ماكدونالد في كتابها تستعرض عوامل الضغط الاجتماعي، والنفسية، والسياسية التي كانت تدفع بالكثير من النساء إلى الوقوع في فخ الجماعات الإرهابية. وتشير قائلة : “إن النساء اللواتي اخترن “الإرهاب” كنَّ في كثير من الأحيان يبحثن عن انتقام من النظام الاجتماعي الذي قمعهن، أو حتى من العنف الذي تعرضن له في حياتهن”.
وبحسب الكاتبة فالعديد من النساء اللاتي انخرطن في هذه الجماعات نشأن في بيئات مليئة بالتهميش الاجتماعي والعنف الأسري. كان لهن تجارب شخصية قاسية في مجتمعات سلبت منهن حقوقهن وحريتهن. هذه البيئة القمعية كانت بمثابة البوابة التي أدت إلى اتخاذهن قرارات متطرفة. كما تبرز فورثي أيضًا أن البعض منهن كان يراهن في “الإرهاب” وسيلة للعثور على هوية جديدة، أو لتصحيح ما اعتقدن أنه ظلم سياسي أو اجتماعي. هذا الفهم لا يقلل من خطورة العنف الذي مارسنَه، لكنه يوفر خلفية إنسانية لفهم دوافعهن.
الكتاب يعرض لنا صورة معقدة عن المرأة والعنف، يشبه في بعض جوانبه الأفلام السينمائية التي تعالج قضايا المراة والعنف. فلطالما كانت شخصية المرأة القاتلة محط اهتمام العديد من الأفلام التي تبرز كيف تتحول المرأة إلى آلة قتل نتيجة للظروف القاسية. ولنأخذ مثلا فيلم “ريد سبارو” (Red Sparrow)، الذي تلعب فيه جينيفر لورانس دور “دومينيكا إيجوروفا”، هو مثال حي على هذه الفكرة. دومينيكا، التي تبدأ كراقصة باليه روسية، تجد نفسها مجبرة على أن تصبح عميلة استخباراتية بعد أن تخونها عائلتها وتفقد حياتها المهنية. وتدفعها ظروفها الصعبة للتحول إلى شخصية قاتلة محترفة، وتعبّر عن ذلك بقولها في الفيلم: “أنا لا أقاتل من أجل البقاء، بل من أجل الانتقام”.

الذي شاهد الفيلم سيرى شخصية دومينيكا في الفيلم تعكس تمامًا ما تتناوله إيلين ماكدونالد في كتابها “أطلق النار على النساء أولًا”. حيث تخلص إلى واحدة من النتائج أن العديد من النساء اللاتي انخرطن في الجماعات “الإرهابية” لم يكنَّ مجرد ضحايا بل فاعلات، حيث دفعتهن ظروفهن الصعبة مثل العنف الاجتماعي والتهميش إلى اتخاذ قرار صارم بالتحول إلى العنف. كما هو الحال مع دومينيكا، فقد كانت البيئة التي نشأت فيها هي التي شكلت مسارها، ما يعكس كيف يمكن للمرأة أن تتحول إلى أداة قاسية في ظل ظروف غير عادلة.
ولعل أبرز الأسئلة المهمة التي يثيرها الكتاب هو: لماذا قد تكون النساء في بعض الأحيان أكثر قسوة في سياقات “الإرهاب” من الرجال؟ العنوان نفسه “أطلق النار على النساء أولًا” ليس مجرد اسم كتاب أو تشبيه رمزي بل يحمل بين طياته إشارة إلى ما يعتبره البعض قدرة النساء على التعامل مع العنف بطريقة مميزة. وفي إحدى المقاطع، تشير ماكدونالد إلى أن “النساء في بعض الأحيان يكنَّ أكثر تصميماً في أعمالهن “الإرهابية” بسبب أنهن يشعرن أن كل شيء متوقف على أثبات قدرتهن في مجتمع كان يعاملهن ككائنات ضعيفة”.
الأمر الاخر هو ليس فقط بما يتعلق بموضوع العنف الجسدي، بل بنظرة المجتمع للمرأة ككائن ضعيف. لذلك عندما تختار امرأة أن تنخرط في “الإرهاب”، فإنها تتجاوز هذه الصورة النمطية، بل وتُظهر مستوى غير متوقع من القسوة. وفي سياق فكرة الكتاب، فإن العنف النسائي قد يكون أكثر تهديدًا لأنه يتعارض مع التصورات التقليدية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكننا تصديق فكرة أن النساء اللواتي ارتكبن الأفعال “الإرهابية” هن مجرد ضحايا أم هن فاعلات يحملن مسؤولية اختيارهن في التصدي للأوضاع الاجتماعية والسياسية التي فرضت عليهن؟ يقدم كتاب “أطلق النار على النساء أولًا” إجابة معقدة على هذا السؤال، ويُظهر أن النساء، رغم كسرهن للمألوف، يكنّ في كثير من الأحيان أكثر تصميمًا على تغيير الواقع من الرجال.
إذا كنت ترغب في معرفة المزيد عن هذه الظاهرة الإنسانية المعقدة، لا بد من قراءة الكتاب. ستجد فيه التفسير والتحليل الذي قد يغير نظرتك لكيفية فهم دور المرأة في “الإرهاب”.فالكتاب لا يقدم فقط دراسة أكاديمية، بل هو بمثابة رحلة استكشاف لعمق نفسية النساء اللواتي اخترن طريقًا مظلمًا، ليغيرن بذلك حياتهن وحياة من حولهن.
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح “الإرهاب” قد يكون محل جدل واعتراض لدى البعض، وأنا أتفهم تمامًا حساسيته وتعدد تفسيراته وفقًا للسياقات المختلفة. ومع ذلك، فإن الهدف من هذا المقال ليس الخوض في تعريف المصطلح أو مناقشة أبعاده السياسية، بل التركيز على الفكرة التي يطرحها كتاب “أطلق النار على النساء أولًا”، والتي تستعرض دور النساء في الجماعات المتطرفة والعوامل التي تدفعهن إلى ذلك. لذا، فإن النقاش هنا يتمحور حول تحليل الظاهرة كما قدمتها الكاتبة، بعيدًا عن الجدل السياسي حول مفهوم الإرهاب نفسه.
في النهاية، يُظهر كتاب “أطلق النار على النساء أولًا” أن القسوة في الإرهاب لا تنحصر فقط في الرجال. النساء أيضًا، خاصة عندما يدفعهن العنف السياسي أو القمع الاجتماعي إلى الحافة، حيث يمكنهن أن يكنّ أكثر قسوة وصمودًا.
الكتاب يتحدى التصورات التقليدية حول طبيعة المرأة وعلاقتها بالعنف، ويطرح تساؤلات حساسة حول دوافع الانخراط في “الإرهاب”، ويفتح الباب أمام نقاشات أعمق حول العلاقات الاجتماعية، والعدالة، والهوية الإنسانية في ظل الظروف السياسية القاسية. وهنا لا يمكننا إلا أن نتساءل: هل قد يكون العنف إرثًا موروثًا للرجال فقط؟ أم أن النساء، كما يُظهر الكتاب، قد يكنّ أكثر قسوة عندما يتم دفعهن إلى حافة الهاوية؟
تحميل الكتاب